Featured Video

المكتبة العربية الشاملة

مكتبة عربية شاملة و متجددة و متميزة بروابط مباشرة و تدعم الاستكمال

المكتبة العالمية المترجمة

مكتبة لأهم الكتب العالمية المترجمة متجددة بأستمرار بروابط مباشرة و تدعم الاستكمال

المكتبة الإسلامية

مكتبة إسلامية متنوعة و متجددة بروابط مباشرة

أفضل البرامج

مكتبة لأهم و افضل البرامج الكاملة و المجربة بروابط مباشرة

صور مثيرة للجدل

صور أثارت جدلا و سنكشف النقاب عما إذا كانت هذه الصور حقيقية أم مزيفة بالأدلة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون تشكيلية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون تشكيلية. إظهار كافة الرسائل

لعنة الصبيّ الباكي

أم عيناه الدامعتان وملامحه الحزينة التي تستدرّ الرحمة والشفقة؟
هذه اللوحة تحوّلت مع مرور الأيّام إلى ما يشبه الأسطورة وأصبحت أكثر شهرة من الفنّان الذي رسمها والذي بقي اسمه إلى اليوم محلّ خلاف وجدل.
وجزء مهمّ من أسباب شهرة اللوحة يعود إلى حقيقة أنها أصبحت مرتبطة بقصص الفلكلور وبالثقافة الشعبية التي تميل إلى ربط بعض الصور بظواهر السحر والأشباح والحظ السيئ، إلى غير ذلك من الظواهر الميتافيزيقية والغامضة.
بداية القصّة تعود إلى العام 1985م الذي شهد اندلاع سلسلة من الحرائق المفاجئة والغامضة في بعض أرجاء بريطانيا. الأمر المحيّر هو انه بعد كلّ حادث حريق، يتبيّن أن الشيء الوحيد الذي لم تلتهمه النيران هو لوحة تصوّر صبيّا صغيرا دامع العينين.
هل يمكن أن تكون هذه مصادفة؟
في كلّ حالة من هذه الحالات، كانت النار تلتهم كلّ موجودات البيت باستثناء لوحة الصبيّ الباكي التي لم يظهر عليها أيّ علامة تدلّ على أنها تأثّرت بالحريق.
إحدى صحف التابلويد البريطانية بدأت تستقبل اتصالات هاتفية من العديد من الناس الذين كانوا ينقلون قصصا مماثلة. احد الأشخاص الذين اتصلوا بالجريدة كان سيّدة تدعى دورا مان وقد نُقل عنها قولها: بعد أن اشتريت اللوحة بستّة أشهر اندلعت النار في بيتنا ودمّرت كلّ شيء تماما عدا تلك اللوحة".
بعد أشهر من سماع كافّة الروايات، اقترحت الجريدة على قرّائها أن يأتوا إليها ويحضروا معهم لوحاتهم التي تحمل صورة الصبيّ. ثم وافقوا على إشعال حريق كبير يتخلّصون فيه من جميع تلك "اللوحات الملعونة" التي جلبت لهم الشؤم والنحس.
وبالفعل تمّ إحضار جميع اللوحات إلى الجريدة وأحرقت وسط ابتهاج وفرح الجميع. ومع ذلك، لم تنته القصّة عند هذا الحدّ. فقد ظهرت تقارير صحفية أخرى يعود آخرها إلى العام 1988 تشير إلى أن لوحة الصبيّ الباكي وُجدت في بيوت متفحّمة بينما اللوحة لم تُمسّ.
والى اليوم، لا احد يعرف على وجه التحديد من يكون الفنّان الذي رسم هذه اللوحات ولا من أين استقى فكرة رسم صبيّ يبكي. الشائعات كثيرة والقصّة ما تزال متداولة حتى الآن.
وقبل الإعلان في الصحافة عن ما اُسمي بلعنة الصبيّ الباكي، كانت اللوحة تتمتّع بشعبية كبيرة. وقد قيل انه بيع منها في بريطانيا وحدها حوالي ربع مليون نسخة كانت تحمل توقيع فنّان يُدعى جيوفاني براغولين.
بعض الصحف شعرت أن القصّة لها قدمان، أي أنها يمكن أن تصبح موضوعا لتغطية صحفية طويلة وجاذبة للقرّاء. لذا بعثت بعض مراسليها كي يبحثوا عن إجابة على السؤال الذي كان يشغل الجميع: ما سرّ هذه اللوحة وما حكاية الحرائق التي تثيرها؟
وأثناء ذلك تمّ الإبلاغ عن المزيد من ضحايا لعنة الصبيّ الباكي وتواترت روايات أخرى عن وجه ذلك الصبيّ الحزين الذي ظلّ يطلّ من بين أنقاض البيوت المتفحّمة دون أن يلحقه أيّ أذى.
وراجت نظريّة تقول إن الفنّان الذي رسم اللوحة الأصلية ربّما يكون أساء معاملة ذلك الصبيّ وأن اللعنة قد تكون انتقاما من الصبيّ ضدّ أولئك الذين جعلوا معلّمه، أي الرسّام، شخصا ثريّا.
لكن هذا بدوره أثار أسئلة أخرى تتعلّق بهويّة الصبيّ الباكي والرسّام جيوفاني براغولين.
احد الباحثين زعم أن محقّقا غامضا يدعى جورج مولروي اكتشف أن براغولين كان في الواقع رسّاما اسبانيا اسمه الحقيقي برونو اماديو وانه كان يستخدم أسماء مستعارة أخرى من بينها فرانكو سيفيل.
كما قيل إن مولروي استطاع أيضا جمع بعض الأجزاء المفقودة من القصّة..
في العام 1969م، وذات يوم مترب حارّ في مدريد، كان اماديو على وشك الانتهاء من رسم إحدى لوحاته عندما سمع في الشارع الواقع أسفل محترفه صوت نشيج متقطّع. وعندما نظر من الشرفة رأى صبيّا يرتدي أسمالا بالية وهو يجلس خارج حانة قريبة ويبكي. نادى الرسّام على الصبيّ وسأله عن المشكلة، فنظر إليه بصمت وكان ما يزال يبكي.
اماديو الذي أخذته الشفقة على الصبيّ اصطحبه إلى محترفه وأطعمه ثم رسم له بورتريها. وقد زاره الولد بعد ذلك مرارا ورسم له بورتريهات عديدة. وطوال تلك الزيارات لم يتوقّف الصبيّ عن البكاء كما لم يتفوّه بكلمة.
وبعد وقت قصير من لقائه الأوّل مع الصبيّ، زار الرسّام في بيته كاهن محلّي كان في حالة ارتباك واضح. كان الكاهن قد رأى الصورة التي رسمها الفنّان للصبيّ واخبره أن اسمه دون بونيللو وانه هرب ليهيم على وجهه في الشوارع بعد أن رأى والده يتفحّم حتى الموت عندما التهم حريق بيتهم. وقد نصح الكاهن الرسّام بأن لا يفعل المزيد من اجل الصبيّ لأنه أينما ذهب كانت النار تشبّ في إثره. ارتعب اماديو من حقيقة أن رجلا متديّنا ومن أهل الله ينصحه بأن يدير ظهره لصبيّ يتيم وضعيف. وفي النهاية تجاهل الرسّام نصيحة الكاهن وبادر إلى تبنّي الصبيّ بعد ذلك بوقت قصير.
وفي الأشهر التالية بيعت نسخ كثيرة من البورتريه على نطاق واسع في طول وعرض أوربّا وأصبح الرسّام ثريّا جدّا. ويقال إن الرسّام والصبيّ عاشا حياة مريحة بفضل نجاح اللوحة. واستمرّ كلّ شيء على ما يرام إلى أن عاد الرسّام إلى بيته ذات يوم ليفاجأ بأن بيته ومحترفه احترقا عن آخرهما وسُوّيا بالأرض. ونتيجة لذلك تدمّرت حياة الفنّان ثم لم تلبث أصابع الاتهام أن وُجّهت إلى الصبيّ بونيللو الذي اتّهمه الرسّام بإشعال حريق متعمّد في بيته. غير أن الصبيّ هرب من البيت ولم يره أحد بعد ذلك أبدا.
اماديو نفسه لم يسمع عن الصبيّ ثانية. لكن في احد الأيّام من عام 1976 تناقلت الأخبار نبأ حادث سيّارة رهيب وقع في احد ضواحي برشلونة. ويبدو أن السيّارة ارتطمت بجدار خرساني بينما كانت تسير بسرعة جنونية لتتحوّل إلى كرة من نار. وداخل الحطام احترقت جثّة السائق وتشوّهت لدرجة انه كان من الصعب التعرّف على هويّته.
غير انه أمكن استنقاذ جزء من رخصة قيادته التي كانت في حجرة القفّازات بالسيّارة. وتبيّن أن السائق كان شابّا يبلغ من العمر تسعة عشر عاما وكان اسمه دون بونيللو.
وبعد مرور فترة قصيرة على الحادث تواترت تقارير صحفية عديدة عن حوادث اشتعال نار غريبة في العديد من أنحاء أوربّا.
المفارقة الغريبة هي انه لم يُعثر على أيّ سجلات في برشلونة تشير إلى موت شابّ باسم دون بونيللو في حادث سيّارة. كما لم يُعثر على أيّ سجلات عن فنّان احترق بيته باسم برونو اماديو أو جيوفاني براغولين أو حتى فرانكو سيفيل.
وحتى على افتراض وجود شخص باسم دون بونيللو وانه هو الموديل الذي استُخدم في رسم لوحة الصبيّ الباكي، فإن هذا لوحده لا يكفي للإجابة على أيّ من الأسئلة المتعلّقة باللعنة التي ارتبطت باللوحة.
ولا بدّ وأن الكثيرين لاحظوا أن البورتريهات المنسوبة لـ اماديو والتي صوّر فيها أطفالا يبكون هي لأطفال مختلفي الأعمار والملامح. ويمكن أن يكون بونيللو احدهم وقد لا يكون أيّا منهم. ويقال إن هناك ثمانا وعشرين صورة مختلفة وكلّها تحمل نفس الاسم، أي الصبيّ الباكي.
لكن هذا كلّه لم يؤثّر في شعبيّة القصّة. بل لقد انتشرت كألسنة اللهب مع بدايات القرن الحادي والعشرين بفضل انتشار ورواج الانترنت. وبدأت قصص الصبيّ الباكي في الظهور في عدد آخر من مناطق العالم البعيدة كالبرازيل واليابان.
وفي عام 2006 أسسّت مجموعة من الطلاب الهولنديين ناديا للمعجبين بالصبيّ الباكي. وكانت غايتهم جمع نسخ اللوحات الثمان والعشرين المعروفة ووضعها في موقع اليكتروني أنشئوه لهذه الغاية. لكن المحزن أن الموقع سرعان ما اختفى ولا أحد يعرف ما الذي حلّ بأصحابه. وثمّة احتمال بأنهم سينضمّون الآن إلى أسطورة اللعنة بالرغم من أنهم قد يكونون كبروا وعرفوا أن هناك في الحياة أشياء أخرى أكثر نفعا وجدوى.
ويقال اليوم إن السبب في نجاة اللوحات من حوادث الحريق له علاقة بطبيعة الموادّ التي كانت تُستخدم في صنعها. فقد جرت العادة على استنساخ اللوحات التي تُنتج عادة بأعداد ضخمة وذلك بطباعتها على أسطح قويّة تلبية لمتطلّبات وشروط المصنع. وفي حالة الصبيّ الباكي، كانت اللوحات تُصنع من ألواح مضغوطة وهي مادّة يتفق معظم خبراء الحرائق على صعوبة اشتعالها، مع أن ذلك ليس بالأمر المستحيل تماما.
إذن، أمكن إثبات أن الصور يمكن أن تحترق، لكن بصعوبة. وبالنتيجة، أصبح ممكنا تفسير وجود بعض الصور سليمة في مسرح الحريق. الجزء الوحيد من قصّة دون بونيللو وبرونو اماديو الذي يمكن التحقّق منه بشكل قاطع هو أن في اسبانيا مدينة اسمها مدريد وأخرى تُسمّى برشلونة.
وبناءً عليه، فإن الأثر الوحيد المتبقّي من قصّة الصبيّ الباكي لا يعدو كونه مجرّد كومة من رماد. "مترجم"

سجال فلسفي حول حذاء

الحذاء قد يكون أحيانا مجرّد حذاء. لكنه في بعض الحالات يمكن أن يتضمّن الكثير من المعاني والرموز.
في احد الأيّام زار فان غوخ احد الأسواق الشعبيّة في باريس. وهناك رأى زوجا من الأحذية الخشبية البالية. وقرّر أن يشتريهما واحضرهما معه إلى محترفه في حيّ مونمارتر.
وليس من الواضح لماذا اشترى الحذاءين. لكن يمكن أن يكون السبب ببساطة انه كان بحاجة إلى زوج جديد من الأحذية.
وبعد فترة قصيرة قام برسمهما. وسرعان ما أصبح هذان الحذاءان أشهر حذاءين في تاريخ الفنّ الحديث، بالنظر إلى الدور الكبير الذي لعبته هذه اللوحة في الفلسفة الحديثة وعلاقتها بعالم الأفكار.
فرانسيس ليكارت يتناول في هذا المقال المترجم خلفيات هذه اللوحة والطريقة التي استُقبلت بها.

 لم يكن فان غوخ يتوقّع أن تثير فردتا حذاء رسمهما في باريس عام 1886م نقاشا فلسفيا ساخنا. وحتّى هذا اليوم، ما يزال الفلاسفة ومؤرّخو الفنّ ينظرون إلى هذه اللوحة ويثيرون من خلالها أسئلة تتمحور حول وظيفة الفنّ وطبيعة الأشياء.
وقد بدأ كلّ هذا الجدل في عام 1936 عندما رأى الفيلسوف الألماني مارتن هايديغر اللوحة في معرض بـ أمستردام. وفي ما بعد، تحدّث عنها في مقال حمل عنوان "أصل العمل الفنّي".
وفي السنوات التالية، كتب علماء ومفكّرون مثل ماير شابيرو وجاك ديريدا وإيان شو وستيفن ميلفيل وجهات نظرهم حول حذاء فان غوخ.
في العام 1886 انتقل فان غوخ إلى العاصمة الفرنسية. كان عمره في ذلك الوقت ثلاثة وثلاثين عاما، وكان يتمنّى أن يصبح جزءا من مشهد الفنّ الطليعي في باريس. وقد رسم هذه اللوحة في محترفه، وفيها يصوّر زوجا من الأحذية القديمة والرثّة.
عندما رأى زملاؤه اللوحة، كان ردّ فعلهم غريبا. بعضهم رأى فيها شيئا عبثيا، بينما تساءل آخرون عن السبب الذي دفع فان غوخ لرسم هذا الموضوع الساذج وما إذا كانت لوحة مثل تلك تصلح لتزيين جدران غرفة الطعام مثلا.
لكن فان غوخ لم يشرح أبدا ما الذي قصده من اللوحة. وبالنسبة للعديد من مؤرّخي الفنّ، كانت اللوحة مجرّد دراسة. وهذا أمر ممكن طبعا. وكان هناك احتمال أن فان غوخ كان يحاول من خلال اللوحة تجريب بعض الألوان. واختياره الحذاء كموضوع سمح له ولا شكّ بالعمل مع الألوان البنّية وتدرّجاتها. وقد مزج فيها اللون البنّي بالأخضر مع ظلال خفيفة من الكريمي. كما وظّف فيها الألوان الزيتية بطريقة سميكة وخشنة إلى حد ما مع ضربات فرشاة واضحة.
لكن يبدو انه كان لهذه اللوحة الصغيرة معنى أعمق بكثير مما يظهر على السطح. وبعد خمسين عاما على رسمها، أي بعد أن مات فان غوخ بزمن طويل، بدأ نزاع بين الفلاسفة ومؤرّخي الفنّ ما يزال مستمرّا إلى اليوم. وقد امتدّ النقاش وتفرّع ليتناول بعض القضايا الكبرى مثل وظيفة الفنّ وطبيعة العمل الفنّي.
الفكرة التي طرحها هايديغر في حديثه عن اللوحة ترتكز على حقيقة أننا نستخدم الأشياء في حياتنا اليومية ونستطيع أن نعرف الغرض من استخدامها. لكنّ جوهرها يظلّ مخفيّا أو مغيّبا عنّا. وهذا الجوهر هو ما يكشف عنه الفنّ. لذا فإن وظيفة العمل الفنّي من وجهة نظره هي أن يكشف لنا عن الجوهر الحقيقي للأشياء.
وعندما نظر هايديغر إلى حذائي فان غوخ توصّل إلى استنتاج مؤدّاه أنهما يخصّان امرأة فلاحة.
لكن كلام هايديغر ووجه بمعارضة من المؤرّخ الأمريكي ماير شابيرو الذي أكّد على انه يستحيل فهم معنى ودلالة اللوحة ما لم نعرف أوّلا نوايا فان غوخ من وراء رسمه لها.
شابيرو، الذي غرق عميقا في مراسلات فان غوخ وأشيائه الخاصّة وكتابات أصدقائه، قال إن العيب في تفسير هايديغر يكمن في انه اسقط مفهومه عن البدائية والترابية على اللوحة. وأضاف إن المشكلة بدأت عندما افترض هايديغر أن الحذاء يخصّ امرأة ريفية. وهو استنتاج خاطئ. وأشار شابيرو أيضا إلى أن الحذاءين يخصّان الفنّان نفسه وأنه عندما رسمهما كان يقطن المدينة. كما رجّح افتراض أن ما اجتذب فان غوخ للموضوع هو الطبيعة الشخصية للحذاءين والشكل الخاصّ الذي اكتسباه بسبب لباسهما أو استخدامهما، في إشارة إلى آثار البلى والتجاعيد الظاهرة على الحذاءين.
بالنسبة لـ فان جوخ، الذي كان يمشي حافي القدمين معظم حياته، كان للحذاء معنى خاصّ. فهو يرمز لفكرة الحياة باعتبارها رحلة روحية. وطبقا لـ شابيرو، فإن فان غوخ عندما رسم الحذاءين فإنه إنما كان يرسم بورتريها رمزيا لنفسه. والتوقيع الظاهر في أعلى يسار اللوحة والمكتوب بأحرف حمراء يرجّح احتمال انه عنوان اللوحة الأصلي.
"زوج من الأحذية" هي واحدة من عدّة لوحات رسمها فان غوخ في فترات مختلفة من حياته. وقد رسم الأحذية وأضفى عليها "شخصيّة" وأولاها اهتماما لا يقلّ عن اهتمامه بلوحاته الأخرى عن الأشخاص والطبيعة.
كان فان غوخ يجد الجمال في كلّ شيء في الحياة اليومية، بما في ذلك الأشياء التي قد لا ينتبه لها معظم الناس، واعتبرها دائما تستحقّ الرسم.
وهناك من النقّاد من أكّدوا على القيمة التأويلية للوحة فان غوخ عن الأحذية. ورأوا أن العمل الفنّي، مهما بدا موضوعه خاملا أو بالغ الشيئية، يمكن فهمه كدليل أو كفكرة مجازية عن واقع اكبر أو حقيقة نهائية.
والآن لنتمعّن قليلا في كلّ هذا الذي قيل عن الحذاءين. بالنسبة لـ هايديغر، فإن اللوحة تعبّر عن حقيقة خاصّة وغير منظورة في الحياة اليومية. وبالنسبة لـ شابيرو، يمكن قراءة اللوحة على أنها بورتريه رمزي للفنّان الذي رسمها. وهايديغر يقول إن الحذاءين لامرأة فلاحة، بينما يؤكّد شابيرو أنهما لرجل من قاطني المدينة هو فان غوخ نفسه.
لكن ما الذي يمكن أن نتعلّمه أو نستفيده من كلّ هذا الجدل؟ أليس من الأفضل أن نتوقّف عن الحديث عن الصورة ونكتفي بالنظر إليها؟
في مرحلة تالية من حياته، كتب فان غوخ إلى أخيه ثيو يقول: أعتقد أن هذه اللوحات يمكن أن تقول لك ما لا استطيع التعبير عنه بالكلمات".
ولهذا السبب بالتحديد، يستحقّ فان غوخ أن نتحدّث عن صوَره. وكلّما تحدث الإنسان عن صورة ما، كلّما تكلّمت الصورة بوضوح أكثر.

ستيف هانكس

كل من يحبّ رسم الأشخاص لا بدّ وان يتوقّف عند لوحات ستيف وأن ُيفتن بها. وقد اختير مؤخّرا كأحد أفضل عشرة رسّامين في الولايات المتحدة، والطلب على لوحاته في تزايد مستمر. ورسومات هذا الفنان تتّسم بواقعيتها المدهشة التي يتجلى فيها تحكّمه البارع في التفاصيل ومعرفته العميقة بأسرار الألوان المائية وخصائصها.
وقد اصدر مؤخّرا كتابا ضمّنه الكثير من لوحاته، كما تحدّث فيه عن رؤيته للفنّ وعن فهمه الخاص لوظيفة ودور الفنان.
واختار هانكس لكتابه عنوان "المضيّ قدما" الذي استوحاه من اسم إحدى لوحاته والتي تصدّرت غلاف الكتاب.
والحقيقة أن كلّ لوحة من لوحات الرسّام تنطوي على غموض ما أو تحكي قصّة شخصية يحاول من خلالها أن يعبّر عن بعض انطباعاته ومشاعره بأسلوب لا يخلو في الغالب من رقّة وشاعرية.
وتتوزع أعمال هانكس ما بين رسومات لأطفال تضجّ عوالمهم بالبراءة إذ يتلمّسون طريقهم إلى العالم الخارجي، ورسومات أخرى لنساء عاريات في لحظات عزلة وتأمّل، ونوع ثالث من الرسومات، لنساء في الغالب، بانفعالات ومشاعر مختلفة ومتباينة وفي قالب يغلب عليه الطابع السردي أو الروائي. والتأثير الانفعالي في جميع هذه اللوحات واضح جليّ، والضوء والظل عنصران أساسيان في معظمها كما أنها تعكس مشاعر الرسّام نفسه التي هي في النهاية جزء من التجربة الإنسانية على عمومها واتّساعها.
يقول ستيف هانكس: ذات مرّة دخل احد معارضي رجل عجوز، وعندما رأى لوحات النساء العاريات فتح فمه مندهشا وأشاح بوجهه بعيدا كأنمّا صدمه منظر اللوحات. وأريد أن أقول للناس إنني أرسم جسد المرأة ليس من اجل دغدغة الغرائز أو استفزاز مشاعر الآخرين. إن ما ارسمه هو، بمعنى ما، احتفاء بالحياة وبالإنسان وهو أبعد ما يكون عن البورنوغرافيا والصور السفيهة والمبتذلة.

هانكس يعيش في ولاية نيومكسيكو المعروفة بجمال طبيعتها وتنوّع تضاريسها وبهاء جبالها الأرجوانية والمثلجة طوال موسم الشتاء. وتربطه بالبحر علاقة روحية حميمة، وهذا يفسّر ميله إلى جعل البحر أو المحيط عنصرا ثابتا في العديد من أعماله.
ويظهر أن حادثة طلاق الفنان من زوجته أثقلت كاهله وتركت في نفسه ندوبا عميقة، الأمر الذي انعكس على طبيعة رؤيته للأشياء وبالتالي على اختياره لمواضيع لوحاته.
وهو يحاول في الكثير من أعماله تصوير الألم الإنساني والمراحل التي يقطعها الإنسان في عملية الشفاء من الجروح النفسية والمعنوية إلى أن يتمكّن من قهر الألم والانتصار على مصاعب الحياة.
ذات مرّة وهو يجلس وحيدا على الشاطئ، رأى فتاة تقف بمفردها هناك. وتذكّر انه طالما جلس مرارا في نفس ذلك المكان بصحبة زوجته وأطفاله. ومرّة بعد أخرى كان يرى المرأة نفسها واقفة لوحدها في مواجهة أمواج المحيط. وقد ألهمه المشهد رسم سلسلة من اللوحات تظهر المرأة في أولاها وهي تقف على الشاطئ وقد استغرقها التفكير والتأمّل، فيما بدت حركة المدّ والجزر أمامها كما لو أنها رمز لتحوّلات الحياة وتقلباتها.
وفي لوحة أخرى نرى نفس المرأة وهي تنظر إلى أسفل، في ما يبدو وكأنه عملية مراجعة للماضي أو بحث عن الذات.
وفي لوحة ثالثة (وهي التي تظهر على غلاف الكتاب) نرى الفتاة وهي تسير إلى الأمام بخطى واثقة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة في إشارة إلى بداية عملية شفائها من آلامها ومتاعبها النفسية والمعنوية.
الغريب في الأمر هو أنني شخصيا كنت أفضل دائما هذه اللوحة على سائر لوحات ستيف هانكس الأخرى، 

ولطالما بحثت عن نسخة كبيرة منها إلى أن وجدتها بالصدفة منذ أيام. (يمكن رؤية اللوحة هنا ).
إن لوحات ستيف هانكس - بالإضافة إلى التأثير الانفعالي العميق الذي تتركه في نفس المتلقي – تمتلئ بالتفاصيل الكثيرة وبالألوان الشفّافة والزاهية في أسلوب يجمع بين الرسم الأكاديمي وسمات وخصائص الرسم الحديث.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More